محمد متولي الشعراوي
3116
تفسير الشعراوى
كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما يريد . نعم . فهو غيب قيّوم ؛ ولذلك يكون تدبيره في الكون غيبا . وفي قرانا يخصّصون يوما للسّوق ونرى ساحته في اليوم المخصص ونتأملها فنتعجب من إبداع محرّك الكون ؛ ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيّهم ولا يحملون شيئا . وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه ، وآخرون يسوقون أمامهم العجول أو الحمير ، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم . ونرى نساء تحمل كل واحدة منهن صنفا من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق . ونرى أخريات يحملن سلالا فارغة ، ونعرف أن كلا منهن ذاهبة للشراء . وفي آخر النهار نرى المسألة معكوسة ، من كان يحمل في الصباح شيئا حمله غيره ، فمن الذي هيّج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع ؟ من الذي حرّك الشارى للشراء ؟ هو الحق سبحانه يحقق للرّاغب في البيع أن يوجد المشترى ، ويحقق للراغب في الشراء أن يوجد البائع . إنه ترتيب الحىّ القيّوم . ونسمع من يقول : لقد أنزلنا في السوق اليوم عشرين طنا من الطماطم وأربعين طنا من الكوسة . وغيرها من الأطنان . ونجد آخر النهار أن كل شئ قد بيع . إنها خواطر اللّه المتوازنة في الناس والتي توازن المجتمع . إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمى حركة المتحرّك . ويريد أيضا ألّا يقتات الإنسان أو يتمتّع بغير مجهود ؛ لأن من يسرق إنما يأخذ مجهود غيره . وهذا الفعل يزهّد الغير في العمل . إن في الإسلام قاعدة هي : عندما تكثر البطالة يقال لك لا تتصدق على الناس بنفود من ملكك ، ولكن افتح أي مشروع ولو لم تكن في حاجة إليه كأن تحفر بئرا وتردمها بعد ذلك وأعط الأجير أجره حتى لا يتعوّد الإنسان على الكسل ، بل يجب تعويده على العمل ، ومن لا يقدر على العمل فلا بد له من ضمان . فضمان الإنسان لقوته يكون من عمله أولا ، فإن لم يكن قادرا على العمل ، فضمانه من أسرته وقرابته ، فإن لم توجد له أسرة أو قرابة ، فأهل محلّته مسؤولون عنه ، وإن لم يستطع أهل القرية أو المحلّة أن يوفّروا له ذلك ، فبيت المال عليه أن يتكفّل بالفقراء . إذن فالأرضية الإيمانية تحثّنا على أن نضمن للإنسان العمل ، أو نعوله ونقوم بما